الشيخ أحمد فريد المزيدي
170
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
وكذا . فقال الجنيد : لا . فقال الشاب : وهذا واللّه عجيب ، وأنت عندي صادق ، وأنا أعرف قلبي ، وأنت تقول : لا ، فتبسم الجنيد ، ثم قال : صدقت يا أخي في الأول ، وفي الثاني ، وفي الثالث ، وإنما أمتحنك : هل تتغير عمّا أنت عليه « 1 » ؟ قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : كانوا يكرهون أن يتجاوز اللسان معتقد القلب « 2 » . وقال الجنيد في قوله تعالى : بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الشعراء : 89 ] قيل للجنيد : يا أبا القاسم ، يكون لسان بلا قلب ؟ قال : كثير . قلت : فيكون قلب بلا لسان ؟ قال : نعم ، قد يكون ، ولكن لسان بلا قلب بلاء ، وقلب بلا لسان نعمة « 3 » . قال الجنيد : إن اللّه يخلص إلى القلوب من برّه حسبما خلصت القلوب به إليه من ذكره ، فانظر ماذا خالط قلبك « 4 » . قال الجنيد : كنت يوما في مجلس السريّ وعنده عصابة من الرجال ، وأنا كنت أصغرهم ، فقال السري : من أي شيء يطير النوم ؟ فقال بعضهم : من الجوع . وقال واحد : من قلة الماء . فلما وصلت نوبتي قلت : علم القلوب باطّلاع اللّه على كل نفس بما كسبت . قال : أحسنت يا بني . وأجلسني إلى جنبه . فأنا من ذلك اليوم مقدّم على الناس « 5 » . يقول الجنيد : من فتح على نفسه باب نية حسنة فتح اللّه عليه سبعين بابا من التوفيق ، ومن فتح على نفسه باب نية سيئة فتح اللّه عليه سبعين بابا من الخذلان من حيث لا يشعر « 6 » . قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : النية تصوير الأفعال « 7 » . في قوله تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [ البقرة : 10 ] قال الجنيد : علل القلوب من اتباع الهوى ، كما أن علل الجوارح من مرض البدن مرض « 8 » .
--> ( 1 ) انظر : الرسالة ( 2 / 488 ) ، واللمع ( ص 407 ) ، والروح لابن قيم ( ص 239 ) . ( 2 ) انظر : اللمع ( ص 238 ) . ( 3 ) انظر : القوت ( 1 / 289 ) . ( 4 ) انظر : الكواكب ( 1 / 579 ) ، وطبقات الشعراني ( 1 / 84 ) . ( 5 ) انظر : نفحات الأنس ( ص 121 ) . ( 6 ) انظر : طبقات الشعراني الكبرى ( 1 / 86 ) . ( 7 ) انظر : اللمع ( ص 303 ) ، قلت : ذكرت كلامه في النية لأن محلها القلب . ( 8 ) انظر : تفسير القرطبي ( 1 / 197 ) .